أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

275

العقد الفريد

قال الأصمعي : جرم فصحاء العرب . ابن عتبة وابن عمير : قدم محمد بن عمير بن عطارد في نيف وسبعين راكبا ، فاستزارهم عمرو بن عتبة ، قال : فسمعته يقول : يا أبا سفيان ، ما بال العرب تطيل كلامها وأنتم تقصرونه معاشر قريش ؟ فقال عمرو بن عتبة : بالجندل يرمى الجندل ، وإن كلامنا كلام يقل لفظه ويكثر معناه ، ويكتفي بأولاه ويستشفى بأخراه ، يتحدر تحدر الزلال على الكبد الحرّى ، ولقد نقصوا وأطال غيرهم فما أخلّوا ، وللّه أقوام أدركتهم كأنما خلقوا لتحسين ما قبّحت الدنيا ، سهلت ألفاظهم كما سهلت عليهم أنفاسهم ، فابتذلوا أموالهم ، وصانوا أعراضهم ، حتى ما يجد الطاعن فيهم مطعنا ، ولا المادح مزيدا ، ولقد كان آل أبي سفيان مع قلتهم كثيرا منه نصيبهم ، وللّه در مولاهم حيث يقول : وضع الدهر فيهم شفرتيه * فمضى سالما وأمسوا شعوبا شفرتان واللّه أفنتا أبدانهم ، وأبقتا أخبارهم ، فتركناهم حديثا حسنا في الدنيا ، ثوابه في الآخرة أحسن ، وحديثا سيئا في الدنيا ، ثوابه في الآخرة أسوأ ، فيا موعوظا بمن قبله موعوظا به من بعده ، اربح نفسك إذا خسرها غيرك . قال : فظننت أنه إن أراد أن يعلمه أن قريشا إذا شاءت أن تتكلم تكلمت . ابن عتبة وقرشيون تشاحوا : العتبي قال : شهدت مجلس عمرو بن عتبة وفيه ناس من القرشيين ، فتشاحّوا في مواريث وتجاحدوا ، فلما قاموا من عنده أقبل علينا فقال : إنّ لقريش درجا تزلق عنها أقدام الرجال ، وأفعالا تخضع لها رقاب الأقوال ، وغايات تقصر عنها الجياد المنسوبة ، وألسنة تكلّ عنها الشفار المشحوذة ؛ ولو احتفلت الدنيا ما تزيّنت إلا بهم ، ولو كانت لهم ضاقت عن سعة أخلاقهم ؛ وإنّ قوما منهم تخلقوا بأخلاق العوام فصار لهم رفق باللؤم ، وخرق في الحرص ولو أمكنهم لقاسموا الطير في أرزاقها ؛ إن خافوا مكروها